|
قال سماحة السيد محمد حسين فضل
الله في الجزء الثاني من مكاشفاته بأنه
يحرم التطبير الذي يحدثه الشيعة في
عاشوراء جملة وتفصيلا؛ لأن الإضرار
بالجسد محرم، إضافة إلى أنه يشوه صورة
الإسلام.
وفجر المرجع الشيعي قنبلة
مدوية في مكاشفاته عندما اعتبر أن العلماء
الذين يباشرون مؤتمرات التقارب من أزمنة
بعيدة يكذبون فيها بعضهم على بعض، وشبههم
بشكل قاس بما جاء في الآية الكريمة: {وَإِذَا
لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا
آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى
شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ
إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} [البقرة:14].
وتطرق سماحة السيد في هذا الجزء
من المكاشفات إلى موضوع العراق، معتبرا
الأحداث هناك مجرد خلافات سياسية لا فتنة
مذهبية بين السنة والشيعة، وإلى تفاصيل
المكاشفات.
مسئولية الجانبين
* سأبدأ معك هذا
الجزء سماحة السيد في الحديث عن مسألة
التقارب.. في مكاشفاتي قبل 4 سنوات مع الشيخ
حسن الصفار، طرح الرجل رؤية لحل الإشكالية
بين الشيعة وأهل السنة عموما، وقال إن من
المفترض على عقلاء الطائفتين أن يتحاوروا
ويصلوا إلى حل، وأن يوقف السلفيون وأهل
السُنة تكفير الشيعة، بينما يقوم علماء
الشيعة بردع وإزالة ثقافة شتم الصحابة؟
- نحن نقوم بهذه الدعوة منذ عشرات
السنين؛ لأننا نعتقد أن مسألة تكفير
المسلم هي أمر لا يجوز، وبعض الاجتهادات
التي يراها المسلمون كفرا ليست كذلك، بل
هي اجتهاد قابل للنقاش والجدل.
وقد سمعت أن السيد علي خامنئي تحدث عن عدم
جواز سب الصحابة، وأعلن ذلك، وأن بعض
علماء الشيعة كذلك.
فنحن من أطلق الوحدة الإسلامية
حتى نتعاون سُنة وشيعة، وحتى نتمكن من
معالجة الأوضاع الموجودة في الشارع،
والتي تتحرك بطريقة سلبية ضد الشيعة وضد
السُنة.
* ولكن سماحة السيد
بعد هذه السنوات من إطلاق هذه الدعوة،
أريد تقييمكم الموضوعي والعادل لمسألة
التقارب؟
- المشكلة لدينا صارت مشكلتين:
الأولى: هي التخلف الذهني
الذي لا ينفتح على الرأي الآخر، ولا يحاول
أن يتحرك في الأفق الواسع في هذا المجال.
الثانية: هي أن مشكلة السُنة
والشيعة دخلت في خطط الأجهزة المخابراتية
الموجودة في العالم الإسلامي؛ وذلك من
خلال المخابرات الأمريكية والأوروبية
وغيرها؛ لأن الطريقة التي يمكن عن طريقها
السيطرة على المسلمين وإشغالهم بجزئيات
خلافاتهم عن قضاياهم المصيرية الكبرى تتم
عن طريق استغلال هذه الخلافات.
الظلال السوداء
* لكن بالمقابل هناك
من يقول إن الغزو الأمريكي للعراق، وما
حدث من حالة تصادم بين السُنة والشيعة في
العراق ألقت بظلالها على هذا المشروع
وأوقفته؟
- عندما ندرس هذه المسألة نجد أنه
لم تكن في العراق –وأنا عشت هناك أغلب
شبابي– مشكلة سنية شيعية، وبدخول القاعدة
وتصريح قادتها بأن هناك هدفين:
الأول: هو محاربة الاحتلال.
والثاني: هو محاربة الشيعة
وقتلهم.
فالشيعة لم يبدءوا بأي عمل
سلبي ضد السُنة، بل إن علماء الشيعة
ومراجعهم أفتوا بكل صراحة بأنه يحرم على
المسلم أن يقتل المسلم الآخر في هذا
المجال.
* لكن سماحة السيد
كان هذا عند بداية الأحداث، وما لبثت
الأمور أن انقلبت وشهدنا المجازر ضد أهل
السنة؟
- نعم، منذ البداية وحتى الآن،
وقبل أيام اطلعت على فتوى للسيد السيستاني
في جريدة الحياة، وهو يؤكد هذا المعنى.
غاية ما هناك أن امتداد هذا
الموضوع إلى المستوى الذي هُدمت فيه قبة
الإمامين العسكريين أوجد حالة جنون
عاطفي، وانطلقت المسألة كرد فعل لدى بعض
الشيعة.
فالواقع الموجود في العراق الآن
ليس هو فتنة سنية شيعية، والحركة الموجودة
في العراق هي مسألة سياسية، والصراع الآن
بين السنة أنفسهم؛ فنجد أن القاعدة
والصحوة متصارعتان، وكذلك هناك مشاكل بين
الشيعة أنفسهم، ولا توجد بالعراق فتنة
سنية شيعية.
الجعفرية مذهب خامس
* سأنتقل إلى محور
آخر رئيسي بين السنة والشيعة، وسؤالي هنا:
هل يقدم الشيعة مذهبهم على أنه مذهب خامس
من المذاهب الأربعة السنية، أم أنهم
يقدمون مذهبهم على أنه البديل الصحيح؟
- هناك فكرة يرويها الشيعة عن
أئمتهم وهي ما يروى عن الإمام جعفر الصادق
(ع)، حيث يقول: حديثي حديث أبي، وحديث أبي
حديث جدي، وحديث جدي حديث الحسين، وحديث
الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير
المؤمنين، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول
الله (ص)، وحديث رسول الله قول الله عز وجل،
فيعتبرون أن الأئمة لا ينطقون كمجتهدين،
بل إنهم يأخذون الخطوط الشرعية من خلال
رواياتهم عن رسول الله (ص).
ولكننا عندما نتجاوز مسألة
الأئمة إلى المجتهدين الشيعة فهناك
اختلافات اجتهادية حتى فيما يستفاد من
كلمات الأئمة، أو من أحاديث الرسول (ص)،
فمثلا النظرية الشيعية تقبل خبر الثقة،
حتى ولو لم يكن شيعيا، ولو جاء خبر ثقة سني
وكان يروي عن رسول الله (ص) فنحن نأخذ به،
فهم من حيث النتيجة يمثلون مذهبا إسلاميا،
ولكنه من حيث العمق فالأئمة يعتبرون أنهم
ينطلقون بشكل مباشر عن رسول الله.
* ثمة وقفة هنا سماحة
السيد، قلت: "إن النظرية الشيعية تقبل
خبر الثقة حتى ولو لم يكن شيعيا ولو جاء
خبر ثقة سني وكان يروي عن رسول الله (ص)
فنحن نأخذ به"، والسؤال هنا: إذا كانت
النظرية الشيعية تقبل خبر الثقة أيا كان
مذهبه، فما سبب خلو كتب الرواية لدى
الشيعة (تقريبا) من أحاديث النبي -صلى الله
عليه وسلم- التي يرويها أمثال أبي بكر، أو
عمر، أو عثمان، أو عائشة، أو أبي هريرة رضي
الله عنهم؟
- لقد قلنا إننا نؤكد الخبر
الموثوق به نوعا، وقد يأخذ البعض بخبر
الثقة، وربما كان بعض العلماء يشككون في
وثاقة بعض الأخبار، وقد يكون الشخص ثقة
عند البعض وغير ثقة عند آخرين، كما أن
الشخص الذي هو ثقة عند السنة قد لا يكون
ثقة عند الشيعة؛ لأن مسألة الوثاقة قضية
تنطلق من معطيات دراسة الشخصية، أو دراسة
نفس المضمون المتعلق بالخبر؛ لأننا نعتقد
أنه لابد من دراسة السند في وثاقة الراوي،
ودراسة المضمون في طبيعة الرواية.
وعلى كل حال فالمسألة ليست بالنحو الذي
يطرحه السؤال.
الشيعة والمرويات
* وما دام أن الأمر
كما ذكرت، دعني أعيد السؤال بصريح العبارة:
هل الشيعة يقبلون مرويات هؤلاء الصحابة عن
النبي -صلى الله عليه وسلم- ويعملون بها؟
- قلت إن المسألة خاضعة للدراسة
التفصيلية، وليست منطلقة من ضابط عام؛ فقد
لا يقبلون بعض مروياتهم، خصوصا الجدل الذي
دار بين أبي بكر وبين السيدة فاطمة
الزهراء في قضية فدك؛ حيث يروي أبو بكر عن
النبي (ص): «إنا معاشر الأنبياء لا نورث؛ ما
تركناه صدقة»، فقد أنكرت السيدة الزهراء
عليه ذلك، ولم يتقبل الشيعة ذلك انطلاقا
من مخالفته للقرآن؛ لأنهم يستفيدون أولا
عموم آية الإرث للنبي وغيره، كما يستفيدون
من قوله تعالى على لسان زكريا (ع): {فَهَبْ
لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي
وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ} [مريم:5-6]
أنها وراثة عامة للجانب المادي أيضا،
فالقضية قضية اجتهادية.. فهم ينكرون عليه
ذلك، خصوصا أن الرواية إذا كانت تتصل
بالسيدة الزهراء وحدها فليس من الطبيعي أن
لا تعرفها هي، وأن لا يخبرها النبي بذلك
وهي بضعته، أو لا يعرفها علي، أو لا يعرفها
سائر المسلمين سوى أبي بكر.
ثم إنك عندما تدخل في الجانب
التفصيلي للمسألة تجد أن بعض المسائل
الشرعية قد استدل لها بحديث مروي عن
السيدة عائشة، كما في مسألة بطلان الصوم
بالبقاء على الجنابة حتى طلوع الفجر أو
عدم بطلانه؛ حيث لدينا رواية يرويها أحد
أئمة أهل البيت عن عائشة أنه لا يبطل، في
مقابل روايات توافق ما يرويه أبو هريرة،
وتخضع المسألة لاجتهاد في قبول هذا الرأي
أو ذاك انطلاقا من قواعد قبول النص في
مضمونه حين التعارض.
وعلى كل حال، فإننا نقول إن على
الآخرين أن لا يتعقدوا من ذلك؛ لأنهم
يرفضون أيضا أغلب رواة الشيعة، فكيف
يتعقدون من رفض بعض روايات السنة لعدم
الوثاقة في الراوي، أو مضمون الرواية، أو
لعدم الدلالة، أو لكون النص معارضا بغيره.
* هل هذه الإجابة
سماحة السيد رأي المذهب الشيعي؟
- أنا أتحدث عن رأي المذهب عامة؛
لأنهم قسموا الحديث إلى صحيح وحسن وموثق
وغيره، وأرادوا بالموثق المروي من غير
الشيعي إذا كان ثقة في نفسه؛ وهذا موجود
فيما ألفوه في علمي الحديث والرجال.
حول التعبد بالمذاهب
الأربعة
* سامحني سماحة
السيد، فمع كل آرائك الانفتاحية إلا أنني
ذهلت وأنا أقرأ فتواك في كتابك: "مسائل
عقدية" ص110 حيث أجبت على سؤال يقول: هل
يجوز التعبد في فروع الدين بالمذاهب
السنية الأربعة، وكذلك بقية المذاهب غير
الشيعية؟ وأنت قلت جوابا وبالنص: جواب: «لا
يجوز التعبد بأي مذهب إسلامي غير مذهب أهل
البيت عليهم السلام؛ لأنه المذهب الذي
قامت عليه الحجة القاطعة»، أليس ثمة تناقض
بين إجابتك لي وبين هذه الإجابة؟
-أحب أن أفسر المسألة، وهي أن
المذاهب الفقهية تنطلق من قواعد أصولية
يختلف فيها الفقهاء، فنحن نرى أن هناك
خلافا في بعض قواعد الاستنباط حتى فيما
بين السنة، كما أننا نجد أن نظرية القياس
لا يراها ابن حزم ويراها بقية علماء
السنة، وهكذا هناك مجالات في المصالح
المرسلة وفي الاستحسان وغيرها؛ لذلك فإن
قضية الحجية تنطلق من الأساس الذي ترتكز
عليه الفتوى، فمثلا نحن الآن في عملية
التقليد الموجودة عند الشيعة، والتي
تختلف فيها الاجتهادات بين هذا المرجع أو
ذاك.
ونجد أن بعض المراجع لا يجيزون
مثلا الرجوع إلى المرجع الآخر مع كونه
شيعيا، وهناك مسألة مرت علينا هذه السَنَة
أن هناك من يرى أن الخطأ الذي يقع في مسألة
أول شهر ذي الحجة وقضية الموقف في عرفة
ومزدلفة أنه يجوز السير مع المسلمين
الآخرين حتى لو كان هناك قطع بالخطأ، أو
بعضهم يرى حتى لو فرضنا أن هناك احتمال
الخطأ أو احتمال المطابقة بالواقع، وهناك
من يقول إنه لا يصح، ونحن مكلفون في الوقوف
بعرفة، وهذا اليوم ليس يوم عرفة مثلا، أو
المزدلفة وليس يوم المزدلفة.
المسألة إذن لا تنطلق من حالة
مذهبية جامدة ومنغلقة، وإنما تنطلق من
دراسة أسس الحجية في هذه الفتوى حتى في
داخل المذهب الشيعي، فالقضية لم تكن تنطلق
من إصدار حكم بحجية مذهب معين، بل من خلال
أن تكون لديك قناعة في أسس ترتكز عليها،
فنحن لا نعتبر أن القياس حجة، ولا نعتبر أن
المصالح المرسلة وأن الاستحسان حجة.
كما أن هناك بعض السنة ممن لا
يعتبرون القياس حجة مثلا؛ لذلك نحن في
خطابنا العام نقول إن هناك بين السنة
والشيعة لقاء فقهيا على مستوى 80%؛ حيث إننا
إذا اختلفنا مع الحنابلة قد نلتقي مع
الحنفية، وإذا اختلفنا مع الحنفية قد
نلتقي مع الشافعية، لكن أن نأخذ المذهب
جملة وتفصيلا لتعطى فتوى للتعبد به بشكل
مطلق فهذا يحتاج إلى دراسة علمية أصولية،
ولا يجوز التعبد بهذا المستوى، يعني
التعبد على اعتبار مذهب بشكل مطلق في وقت
نناقش فيه كثيرا من القضايا التي ترتكز
عليها خطوط المذهبيين، فنحن نعرف أن أبا
يوسف هو تلميذ أبي حنيفة وهو يختلف مع أبي
حنيفة.
لكن أنا الآن من خلالك، وقد كتبت
ذلك أقول إن القضية هي تماما كما يختلف
الآن أهل السنة في كثير من تفاصيل الفتاوى
بين مذهب ومذهب نتيجة أن القاعدة التي
ترتكز عليها الفتوى لا يراها أحدهم حجة
ويراها الآخر، هذا ما نفكر به.
* عفوا سماحة السيد،
ولكن حتى أولئك المختلفين لا يطلقون مثل
ما أطلقت أنت هذه الفتوى العظيمة بأنه لا
يجوز التعبد، وهناك خلاف بين العلماء..
- أنا أفسر المسألة بهذه الطريقة
أن المقصود بهذا أننا لا نستطيع أن نأخذ
المذهب، أي مذهب بشكل مطلق باعتبار أن
القواعد التي يرتكز عليها المذهب الفقهي
من ناحية القواعد الأصولية هي مما نختلف
فيها مع هذا وذاك، كما أننا الآن لا نأخذ
بكثير من فتاوى علماء الشيعة، ولا يجوز
التعبد بها، على أساس أننا نختلف معهم في
الأسس التي ترتكز عليها الاجتهادات
والفتاوى.
القياس والاستحسان
* أتوقف معك هنا
سماحة السيد، فأنت ترجع تلك الفتوى إلى
عدم موافقتك على الأسس التي ينطلق منها
الأئمة الأربعة ويبنون عليها فروعهم
الفقهية كالقياس والاستحسان، ولكن السؤال:
هل المشكلة فقط في القياس والاستحسان ونحو
ذلك من قواعد أصول الفقه، أو أن السبب يرجع
لوجوب اتباع مذهب أهل البيت دون غيرهم؟
- إن المسألة هي أن الشيعة
يعتبرون أن الأساس في الحجة في الخط
الإسلامي هو من خلال أهل البيت (ع) فيما
يقدمونه من الأحاديث المروية عن النبي (ص)،
كما أننا نروي عن الإمام جعفر الصادق قوله:
حديثي حديث أبي، حتى ينتهي إلى رسول الله (ص)
إلى الباري عز وجل، مما ذكرته سابقا، وقد
قلت إن الأئمة عند الشيعة ليسوا مجتهدين،
ولكنهم ينطلقون من خلال أحاديث الرسول في
كل ما قالوه وما قرروه؛ فالمسألة إنما هي:
من هو الحجة الذي نأخذ منه الإسلام بشكل
عام؟ لاسيما أن هناك أمورا وقعت موضع
اختلاف حتى بين الصحابة الأوائل، كما في
تحريم عمر للمتعة، سواء في متعة الحج أو
النساء، أو في مسألة إرث النبي، أو في بعض
تفاصيل الإرث، كالعول والتعصيب، وغير ذلك.
وليس الشيعة بدعا في هذا المجال،
فنحن نعلم أن ابن حزم الظاهري لا يرى
القياس حجة، ونعرف أن بعض السنة يختلف مع
البعض الآخر في بعض تفاصيل هذه الأصول،
فالقضية قضية علمية وليست قضية عاطفية أو
عصبية.
ونحن نروي عن بعض مراجع الشيعة
الكبار، وهو السيد حسين الروجردي الذي هو
أستاذ السيد الخميني وأستاذ الكثيرين من
علماء قم السابقين، أنه قال: ليست المسألة
بيننا وبين السنة هي قضية الخلافة؛ لأن
عليا وأبا بكر قد انتقلا إلى رحاب الله،
فليست هناك ثمرة من هذا الخلاف، ولكن
القضية هي قضية من هو الحجة الذي نأخذ عنه
معالم ديننا.
ولعلنا نلاحظ ملاحظة على الهامش،
وهي أننا نعرف أنه مر زمن والأحناف لا يرون
شرعية المذهب الشافعي، وأن الشافعية لا
يرون شرعية للتعبد بالمذهب المالكي
والحنبلي، وهو أمر ربما اتفق السنة بعد
ذلك على الأخذ بأي مذهب من المذاهب في بعض
الاجتهادات المتأخرة، ولكنهم كانوا
يرفضون التعبد بهذا المذهب أو ذاك إذا
كانوا على مذهب آخر، حتى إنهم كانوا في
الأزمنة السابقة لا يتزاوجون مع اختلاف
المذاهب.
هذه المسألة التي تعيش بعض
التعقيدات بين السنة والشيعة كانت موجودة
بين السنة أنفسهم، وربما ينطلق ذلك بين
بعض الشيعة والبعض الآخر في مسألة
الاختلاف بين المدرسة الأصولية والمدرسة
الإخبارية؛ حيث قد لا يجيز البعض من هذه
المدرسة الرجوع إلى تلك، وهكذا.
ولعل حل هذه المسألة هو الحوار
العلمي الكلامي الأصولي الفقهي الذي
ينطلق به العلماء في المواقع المغلقة، لا
على الإعلام الذي يحاول التحرك من خلال
عناصر الإثارة.
إن إثارة المسألة على أساس أن
يسجل كل فريق نقطة على الآخر، ليحاول
إيجاد عقدة ضده هو أمر غير علمي، والأمر
العلمي هو أن ننطلق من وحي قوله تعالى: {إِنْ
تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ
إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء:59].
* أشكر لك سماحة
السيد هذا التوجيه، ولكنني لا زلت مصرا
على التوقف معك في هذه النقطة؛ لأنها إحدى
المفاصل العالقة بيننا وبينكم، فهناك من
أهل السنة كابن حزم -مثلا- لا يقول
بالاستحسان ولا القياس، وكل اعتماده على
المرويات عن النبي صلى الله عليه وسلم،
فهل يسوغ التعبد بمذهبه عندك، وعند الشيعة
عموما؟
- نحن نختلف مع ابن حزم، كما نختلف
مع الآخرين، ونحن لا نعتقد أن مجتهدا ما في
السنة والشيعة يأخذ بكل آراء المجتهد
الآخر؛ لأن طبيعة الاجتهادات تجعل الآراء
مختلفة في هذا المجال.
ونحن نعرف جيدا أنه ليست المذاهب
السنية أربعة، بل هناك مذاهب أخرى عند
السنة، فهناك الأوزاعي والظاهري وغيرهما،
وهناك الكثير من مجتهدي السنة الذين لا
تُذكر أسماؤهم في التاريخ الفقهي، كما
أننا وبالنسبة إلى الشيعة نجد الإمامية
الإثنا عشرية والزيدية والإسماعيلية،
وهناك المجتهدون ممن يجتهدون في المسائل
الفقهية، ويختلف بعضهم مع البعض الآخر؛
والمشكلة بين السنة والشيعة هي -كما كانت
بين السنة أنفسهم والشيعة أنفسهم- أن
الأمور تحركت في دائرة العصبية، ولم تتحرك
في دائرة العلم؛ ولذلك يحاول كل فريق -كظاهرة
وليست شاملة- أن يسجل نقطة على الفريق
الآخر من أجل إثارة الأجواء العامة،
ولاسيما الشعبية ضد هذا أو ذاك.
* سماحة السيد: أنت لم
تحرم تقليد الأربعة في فتوى أو مسألة
معينة، وإنما حرمت تقليدهم بإطلاق، ومنعت
من التعبد بمذاهبهم، فهل يمكن أن نسحب هذا
الحكم على المراجع الشيعية التي تخالفك في
بعض المسائل الكبار؟ هل سنسمع فتوى بعدم
جواز التعبد بتقليد المرجع الذي يجوز (الاستغاثة
بالموتى وطلب الحاجات منهم)، أو ينسب لهم
علم الغيب؟ وهل سنسمع فتوى بتحريم التعبد
بتقليد المرجع الذي يثبت (الولاية
التكوينية) كالخميني وقبله الخوئي؟ وهل
سنسمع فتوى بتحريم تقليد المرجع الذي يذهب
إلى إثبات (الولاية العامة للفقيه)؟ وهل
سنسمع فتوى بتحريم تقليد المرجع الذي يسيء
لأبي بكر وعمر وعائشة، ونحو ذلك من
المسائل الخطيرة؟
- إن المسألة خاضعة للأسس
الاجتهادية التي بينتُها فيما سبق، والتي
تنطلق منها المذاهب الأربعة، والتي هي محل
نقاش وخلاف بين السنة والشيعة، في حين
ينطلق هؤلاء الفقهاء الذين ذكرتهم من
الأسس الاجتهادية الفقهية نفسها، وقد
تختلف بعض الأمور التفصيلية بين مجتهد
وآخر، ونحن نرى أن التقليد إنما هو في
الفقه، أما الجوانب العقدية فلا تقليد
فيها.
تراجم الصحابة
* تقبل مني سماحة
السيد هذا السؤال الخاص بك أيضا، فكتب
الشيعة كـ"معرفة الرجال" و"المفيد
في الاختصار" تروي عن الإمام جعفر
الصادق عليه السلام أن الصحابة ارتدوا بعد
وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ما عدا
ثلاثة نفر هم: سلمان، والمقداد، وأبو ذر،
ويروى أن عمار بن ياسر كان قد ارتد ثم رجع،
هل من المفاضلة أن نجد موقع السيد فضل الله
الإلكتروني يضع عنوانا لتراجم الصحابة
فلا يذكر فيه سوى هؤلاء الأربعة؟
- نحن لا نعتقد بالارتداد عن
الإسلام والصحابة عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم، ولذلك فإننا نتبع الإمام عليا
عليه السلام في علاقته مع الصحابة وفي
تعاونه وفي تأبينه لبعضهم، وفي نصحه لهم
على أساس أنهم مسلمون، حتى إنه قال
للخليفة عمر: أنت رأس هذا الأمر وسنامه، كن
قطبا واستدر الرحى بالعرب؛ وذلك عندما
استشاره بالشخوص بنفسه لقتال الفرس.
وهكذا رأيناه كيف وقف على جثمان الزبير
وقال: القاتل في النار، ووقف على جثمان
طلحة وابنه، وفي هذا المجال يقول بعض
العلماء هؤلاء ارتدوا عن ولاية علي ولم
يرتدوا عن الإسلام.
* سماحة السيد
التعبير بكلمة (بعض) هنا، هل نفهم منه أن
هناك خلافا معتبرا لدى علماء الشيعة في
ردة الصحابة عن الدين، مع ملاحظة أننا هنا
لا نتحدث عن شباب مندفعين، وإنما عن علماء
الشيعة الكبار؟
- نحن لا نعتبر أن الإمامة أصل
يخرج الإنسان بإنكاره من الإسلام، فقد
أكدتُ أن أسس الإسلام ثلاثة: التوحيد،
والنبوة، والمعاد؛ ولذلك فإن علماء
الشيعة يعتبرون أن السني مسلم يزوجونه
ويتزوجون منه، ويعتبرون ذبيحته شرعية،
وما إلى ذلك من آثار، ولهذا فلا يرى أحد من
المسلمين أن الصحابة ارتدوا بعد رسول الله
عن الإسلام، ولكن إذا صحت هذه النسبة فإن
المقصود منها هو الارتداد عن ولاية علي (ع)
بعد الالتزام بها؛ باعتبار أن عقيدة
الشيعة أن النبي (ص) قد أقام الحجة على
المسلمين في ذلك من خلال كثرة الأحاديث
التي لفت فيها إلى كفاءة علي (ع) بالنسبة
لغيره في تبوء منصب الخلافة، وكذلك في
حديث الغدير الذي يُعتبر كالنص في هذا
المجال.
* البعض يقول إن هناك
شبه عقيدة في هذا الحديث، ألا ترى أن الشك
في الإمامة كما يقول الشيعة يدفع لاتخاذ
موقف سلبي؟
- نحن أكدنا بالصوت العالي أن
أصول الدين ثلاثة وهي: التوحيد، والنبوة،
والمعاد، وأن من آمن بها كان مسلما، ومن
أنكر واحدة منها كان كافرا، أما بالنسبة
إلى الإمامة، وكذلك العدل فهي من أصول
المذهب وليست من أصول الدين، ولذلك من
ثبتت عنده الإمامة بشكل قطعي فيجب عليه أن
يعتقد بها، ومن لم تثبت عنده وبشكل قطعي
فإنه إذا لم يعتقد بها لا يكون منحرفا عن
الالتزام بالإسلام، وإنما يراه الشيعة
مخطئا في هذا الاتجاه.
* سماحة السيد،
الشيعة لا يختلفون في تكفير من يتجرأ على
تكفير علي كما هو مذهب الخوارج، فهل يلام
أهل السنة لو سحبوا هذا الحكم على من يكفر
أبا بكر وعمر؟
- من الطبيعي جدا أن تكفير
الصحابة هو أمر غير واقعي وغير صحيح وغير
سليم، ولهذا فإننا نقول دائما في خطاباتنا
وكتاباتنا إن الإمام عليا يتعامل مع
الخلفاء الذين أبعدوه عن الخلافة كما
يتعامل المسلم مع قيادة إسلامية، بقطع
النظر عن أنه يراها شرعية أو غير شرعية،
ونحن نروي عن الإمام جعفر الصادق (ع): «ولدني
أبو بكر مرتين»؛ لأن أمه أم فروة بنت
القاسم بن محمد بن أبي بكر، وأم أم فروة هي
أسماء بنت أبي بكر؛ ولذلك فإن القول
بتكفير الصحابة هو أمر غير موافق للخط
الإسلامي.
* هناك من يقول إن موضوع التقارب
لن يتم إلا عن طريق البوابة السياسية،
فإذا تقاربت السعودية وإيران على غرار ما
حدث بين الملك عبد الله والزعيم الإيراني
خاتمي فهل سيظل موضوع التقارب موجودا؟
- أعتقد أن الملك عبد الله رجل
وحدوي وحواري والإيرانيون يحاولون أن
يبقوا على انفتاح معه، ولكن المشكلة في
كثير من التكفيريين والإرهابيين بين
الأطراف التي تريد الحوار؛ لذلك لا أتصور
أن المسألة السياسية وحدها هي الحل.
* وما المسألة
الرئيسية التي يمكن أن تدفع تجاه الحل؟
- لدي علاقة مع الشيخ القرضاوي
وآخرين وأقول: يتوجب على العلماء أن
ينزلوا إلى الأرض، علماء السُنة وعلماء
الشيعة، وأن يثقفوا قاعدتهم الشعبية
بالوحدة الإسلامية.
فالمشكلة أن العلماء لا زالوا
يعيشون في المؤتمرات التي يكذب فيها البعض
على البعض الآخر، على طريقة قوله تعالى: {وَإِذَا
لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا
آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى
شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ
إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} [البقرة:15].
* سماحة السيد، هذه
المؤتمرات تشاورية وأستغرب أن تقول إنها
محل للكذب ولم توصل إلى الوحدة؟
- السيطرة الأمريكية على العالم
الإسلامي، سواء في المجال الأمني أو
السياسي أو الاقتصادي تمنع وجود حركة
إسلامية وحدوية منفتحة على الحل الجذري
للمشاكل.
* وإذن برأيك كيف
نتجاوز هذا؟
- بأن نتقي الله.
التطبير مرفوض
* أود سماع رأيك بضرب
الصدور، والندب، وإدماء الرءوس، وما
تسمونه "التطبير" يوم عاشوراء؟
- لقد أصدرت منذ سنين الفتوى بأن
التطبير محرم؛ لأن الإضرار بالجسد محرم،
سواء كان في حالة التعبير عن الحزن، أو في
أي حالة في هذا المجال، هذا من جهة، ومن
جهة ثانية فإن هذا يشوه صورة الإسلام؛
ولذلك نحن نرفضه جملة وتفصيلا، وأنا عبرت
عنه في بعض أحاديثي بأنه مظهر تخلف، كذلك
أصدرت فتوى بتحريم ضرب السلاسل على الظهر،
ولاسيما الذين يضعون بعض السكاكين في
داخلها بحيث يسيل الدم بسببها.
ولا أزال أتابع كل العادات
الجديدة التي ربما يعتبرها البعض وسيلة
للتعبير عن الحزن، وقلت إن قضية الثورة
الحسينية هي قضية إسلامية، وقد أصدرت
كتابين من وحي عاشوراء، ودعوت إلى أن تكون
عاشوراء إسلامية تنطلق فيها من خلال
العناوين الكبرى التي أطلقها الإمام
الحسين (ع) في كلماته التي تحدث عنها في
عاشوراء.
* لكن طائفتك يا
سماحة السيد ردوا عليك في كلام للإمام
الخميني، قاله في صحيفة النور ص69 (لو كان
الأمر منحصرا بشخص مقدس جالس في الغرفة
والبيت، يقرأ لنفسه زيارة عاشوراء ويسبح،
لما بقي شيء، كل مدرسة تحتاج إلى الضجيج
يجب أن تضرب عندها الصدور، وكل مدرسة لا
يوجد عنها لاطِموا الصدور ولا يوجد عندها
البكاءون ولا يوجد عندها الضاربون على
الرأس والصدر، فإنها لا تُحفظ)، كيف تعلق؟
- كما قلنا إن المسألة تنطلق من
رأي فقهي هو حرمة الإضرار بالجسد
وبالعنوان الثانوي من حيث إنها تمثل
التخلف الذي يشوه صورة الإسلام
والمسلمين، حتى إننا بالنسبة إلى اللطم هو
وسيلة من وسائل الحزن، ولكننا نقول لابد
من أن يكون لطما هادئا يعبر عن الحزن ولا
يكون لطما بالطريقة الاستعراضية التي
تسيء إلى الصدر بحيث تؤدي إلى احمراره
والإضرار به.
* الشيخ حسن الصفار
طرح حلا عصريا قبل أعوام حيال التطبير،
وقال يمكن التبرع بالدم عوضا عن ذلك
المشهد المؤلم والمنفر، وحذر بأن وسائل
الإعلام الغربية تحرص على هذه المناظر
وتقدمها على أنها الإسلام.
- أنا دعوت إلى أن تدخل قضية
عاشوراء في مجال الإنتاج الفني بطريقة
فنية تنفتح على المفاهيم الإسلامية
المتمثلة في سيرة الإمام الحسين والثلة
الطيبة من أهل بيته وأصحابه، ولا تتحدث عن
الحادث على أساس أنها حادثة خاضعة لظروف
معينة جزئية، وكنت أيضا قد تحدثت منذ
سنتين أنكم إذا أردتم أن تقدموا للحسين
تضحية فتبرعوا بالدم لخدمة الشهداء الذين
يسقطون أمام إسرائيل، وحتى إنني تحدثت
بطريقة إعلامية؛ لأن بعض الناس يقولون
إننا نواسي الإمام الحسين عندما نجرح
رءوسنا، فقلت إن الحسين جرح وهو يجاهد
فإذا أردتم مواساة الإمام الحسين
فانطلقوا في مواجهة إسرائيل؛ فإذا جرحتم
في خط المواجهة كانت تلك هي المواساة؛ لأن
المواساة هي تعني أن نجرح في الموقع الذي
جرح فيه، وهذا ما تحدثت عنه خلال زيارتي
للهند بشكل صريح جدا.
* يتردد سماحة السيد
بأن أتباعكم الذين تحدثهم أيام عاشوراء في
مسجدك يقومون بضرب صدورهم بمجرد أن تخرج
من المسجد، سامحني هذا ما يروج في الأوساط
اللبنانية؟
- هذا صحيح، ولكن اللطم الهادئ
الحزين لا مشكلة فيه، وإنما المشكلة في
إيذاء الجسد وما إلى ذلك.
|