بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

مساحات ثقافية |تراث وحضارة | لغة وأدب |فنون تشكيلية | سينما ومسرح |ميديا | أوتار وأنغام |مساهمات الزائرين|دردشة


أمريكا في العقول.. طغيان حُلو!  (1)

ترجمة: محمد دهشور

 بقدر ما يظل الإنسان غافلاً عن الهيمنة التي يخضع لها، بقدر ما تكون هذه الهيمنة أكثر فاعلية. لقد أدرك كل من المستعمرين ومستعمريهم أن الهيمنة لا تقوم فقط على سلطة القوة. لقد مضى عهد الرهان على الاحتلال العسكري، ودقت ساعة الرهان على التحكم في العقول؛ لذلك فإن دوام سلطة ما على المدى البعيد رهين بمدى قدرتها على ترويض النفوس.

 بعد استئصال الهنود واستعباد الأفارقة السود واستعمار مناطق في أمريكا اللاتينية، وبعد استشعارها بمدى سَأَمِ الرأي العام من بطشها وغطرستها، تطمح الولايات المتحدة الأمريكية، من هنا فصاعدًا، أن تستقر سلميًّا داخل عقول وقلوب كل البشر من غي الأمريكيين.

ولن يعرف هذا المشروع الإمبريالي الجديد إلا مقاومة بسيطة في أوروبا الغربية، وذلك لأسباب سياسية بالدرجة الأولى: فالولايات المتحدة الأمريكية انبثقت عن أول ثورة ديموقراطية عام 1776 سابقة بذلك الثورة الفرنسية بـ 13 سنة. ثم تأتي بعد ذلك أسباب تاريخية: إذ لم تعرف الولايات المتحدة الأمريكية عداءً ثنائيًّا مع أي بلد أوروبي – عدا إنجلترا في القرن الثامن عشر وإسبانيا في أواخر القرن التاسع عشر، وبالمقابل فقد احتضنت الولايات المتحدة الأمريكية، "بلد الحرية" ، ملايين من اللاجئين والمنفيين الأوروبيين. وإبان الحربين العالميتين (1914 – 1918، 1939 – 1945) كانت حليفة أوروبا وتدخلت بشكل حاسم لصالح الحريات وضد الفاشية، وفي 1989 – 1991، ربحت أمريكا الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي مما نتج عن ذلك سقوط "جدار برلين" وبروز أنظمة ديموقراطية، ولو بشكل عشوائي، في كل من أوروبا الوسطى والشرقية.

وعلى المستوى "الجيوسياسي"، فإن الولايات المتحدة تحتل موقعًا لم يسبقها إليه أحد. فمن الناحية العسكرية تعتبر قوة ساحقة. إنها ليست فحسب القوة الأولى من حيث العتاد النووي والجوي وإنما أيضًا البحري؛ فالولايات المتحدة هي الوحيدة التي تملك أسطولاً بحريًّا في كل المحيطات والبحار الرئيسية على هذه البسيطة، وكذا قواعد عسكرية للتموين والتجسس في كل القارات. وينفق "البانتاغون" (Pentagone) في مجال البحث العسكري وحده حوالي 31 مليار دولار، أي ما يعادل الميزانية الإجمالية للدفاع الفرنسي. وهي متقدمة بعدة أجيال على  مستوى التسلح. قواتها المسلحة (1.4 مليار جندي) بمقدورها تشخيص ومتابعة وسماع كل شيء في أي مكان، في الجو وفوق الأرض وتحت الماء سواء بسواء، بل إنهم قادرون على رؤية كل شيء دون أن يُرَوْا هم، ويصيبون أهدافهم بدقة متناهية ليلاً أو نهارًا دون أن يشكل ذلك أي خطر عليهم. وعلاوة على ذلك، تمتلك واشنطن مجموعة هائلة من الوكالات الاستخبارية تشغل أكثر من 100000 شخص، ولها من الميزانية ما يزيد عن 26 مليار دولار. رجالها المخبرون (المتجسسون) يعملون في كل وقت وفي كل مكان، عند الأصدقاء كما عند الأعداء. إنهم لا يسرقون الأسرار الدبلوماسية والعسكرية فحسب، ولكن أيضًا الأسرار الصناعية والتكنولوجية والعلمية.

وعلى مستوى الشئون الخارجية، تستحوذ أمريكا على السياسة الدولية، فهي تتابع عن كثب كل القضايا في كل القارات بحكم مصالحها في كل مكان، وتبقى الدولة الوحيدة التي تتحرك في مجموع الكرة الأرضية من الشرق الأوسط إلى كوسوفو، ومن تيمور إلى التايوان، ومن باكستان إلى القوقاز، ومن كونغو إلى أنجولا، ومن كوبا إلى كولومبيا.

كما أن لواشنطن موقعًا بارزًا في الهيئات والمنظمات العالمية التي تحدد سير هذا العالم كهيئة الأمم المتحدة، ومجموعة الدول السبع الأكثر تصنيعًا، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، والمنظمة العالمية للتجارة، ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، ومنظمة الحلف الأطلسي.

إلا أن تفوق قوة ما في وقتنا المعاصر لا يتحدد فقط بمؤهلات عسكرية ودبلوماسية؛ لذلك فإن أمريكا تفرض نفسها أيضًا على المستوى العلمي. إنها تمتص سنويًّا عشرات الألوف من الأدمغة من باقي دول العالم التي تأتي لجامعاتها ومختبراتها أو مقاولاتها. وهذا ما جعلها تحوز على 19 جائزة نوبل من 26 في الفيزياء، و17 من 24 في الطب، و13 من 22 في الكيمياء.

وفي المجال الاقتصادي، تبقى أمريكا هي المهيمنة بدون منازع. فمنتجها الوطني الخام في 1999 (8683.4 مليار دولار) يمثل ما يزيد عن خمس مرات من الدخل الوطني الخام الفرنسي (1346.6 مليار دولار). والدولار يظل العملة المهيمنة؛ إذ يتداول في 83% من العمليات المصرفية. وتعد بورصة نيويورك "ميزان الضغط" (بارومتر) المال العالمي الذي ترتعد لاهتزازه الكرة الأرضية جميعًا. وأخيرًا فإن القوة الضاربة للدوائر المالية الأمريكية تشكل الهاجس الذي يَقضُّ مضاجع كل العاملين في الحقل الاقتصادي العالمي.

وتعد أمريكا أيضًا القوة الأولى في مجال الإعلاميات. فهي التي تتحكم في الابتكارات التكنولوجية والصناعات "العددية" من كل نوع. إنها بلد الشبكة العالمية للاتصال "الإنترنت" وبلد ما يعرف "بالاقتصاد الجديد" وبلد الشركات الإعلامية العملاقة (Microsoft, IBM, Intel) وبلد أبطال "الإنترنت" (Amazon, Yahoo, America Online)

ولنا أن نتساءل الآن: لماذا لا تثير قوة لاحقة ساحقة (عسكريًّا وديبلوماسيًّا واقتصاديًّا وتقنيًّا) مثل هذه مزيدًا من الانتقاد والمقاومة؟ لأن أمريكا تمارس –علاوة على هذا- هيمنة على المستوى الثقافي والأيديولوجي. إنها تملك منذ زمن بعيد مفكرين كبارًا يحظون بتقدير كبير على الصعيد العالمي، وكذا مبدعين ذائعي الصيت في كل الفنون. كما تتحكم أمريكا أيضًا في عالم (Max Weber)"الرموز" الذي يخول  لها ما يسميه "ماكس ويبر" "الهيمنة الكاريزماتيكية" أو الهيبة.

إن أمريكا تفرض نفسها أيضًا في عالم المصطلحات والمفاهيم و "المعنى" وذلك في كل الميادين على الإطلاق. إنها ترغمنا أن نصف المشاكل التي تصنعها هي بكلماتها هي وتمنح لنا مفاتيح لفك ألغاز تفرضها علينا هي ذاتها. وتُسخر من أجل ذلك عددًا من المؤسسات العلمية ومراكز صنع القرار بمساعدة مجموعة من المحللين والخبراء. هذه المؤسسات التي تدرس وتبث في كل المسائل القانونية والاجتماعية والاقتصادية بمنظور يتناغم مع طرح الليبرالية الجديدة والعولمة ومصالح رجال الأعمال. وهذه المؤسسات تلقى دعمًا ماليًّا وإعلاميًّا كبيرين وتنشر أعمالها على الصعيد العالمي.

إن المعامل الرئيسة لـ "صناعة الإقناع" هذه من أمثال

(Manhatt Institute, Heritage Foundation, American Enterprise Institute, Cato Institute Brookings Institution)

لا تبخل علينا بعد ذلك أن تستضيف لجلساتها ونقاشاتها صحفيين وأساتذة وموظفين ومديرين لينقلوا ويحكوا عنها كل خير.

 إن الولايات المتحدة باعتمادها على سلطة الإعلام والإعلاميات والتكنولوجيات، وبمشاركة من تهيمن عليهم، وذلك بغفلتهم وعدم مبالاتهم، تمارس ما يمكن أن ننعته "طغيانًا لطيفًا وحُلوًا"، خاصة إذا استحضرنا ما يرافق ذلك من تحكم في المؤسسات الثقافية وهيمنة على مخايلنا.

إن أمريكا، بمهارتها العجيبة، تملأ أيضًا خيالنا بمجموعة من الأبطال السينمائيين المروج لهم على أوسع نطاق. ولِمَ لا، وهي تغرق العالم كله بمنتجات "هوليود" السينمائية في الوقت الذي تشتري من الخارج فقط 1% من أفلامها؟! هذا ناهيك عن الرسوم المتحركة والقصص المصورة، وكذا أنماط اللباس والعمران والطبخ. وفي أمريكا مراكز تجارية تتحول في بعض المناسبات إلى شبه معابد لتقديس المنتجات وإذكاء حمى الشراء عند المستهلكين. ويتكرر شبه ذلك في كل أنحاء العالم شكلاً ومضمونًا، ويرافق هذا كله منطق ساحر، مفاده أن المستهلك حر ومستقل في خياره، مع العلم أن هذا الأخير يظل بشكل مستمر تحت وقع الإشهار الذي يشمل الأشياء والرموز على حد سواء. وبالمناسبة، فإن تكاليف الإشهار في الولايات المتحدة تتجاوز 200 مليار دولار سنويًّا! إن "الْمَارْكُوتِينْغ" (Marketing) مُتقنة ومتأنقة إلى درجة أنها تطمح أن تبيع ليس فحسب "الوسم" و"العلامة" (marque) ولكن أيضًا "الهوية" (Identite)، وتطمح أن تبيع، ليس فحسب رمزًا اجتماعيًّا، ولكن أيضًا "الشخصية" امتثالاً لمبدأ: "قل لي ماذا تملك أقول لك من أنت" (Avoir c'est etre)

من الْمُستعجل إذًا أن نتذكر صيحة الإنذار التي أطلقها "الدوس هيكسلي" (Aldous Huxley) منذ 1931: "إن الخطر الأكبر الذي يهدد الأفكار والثقافة والعقل – في عهد تحكمه تكنولوجيا جد متطورة – يوشك أن يأتي في ثوب عدو مبتسم بدل عدو مخيف".

إن أمريكا باعتبارها "سيدة الرموز" تعرض نفسها أمامنا بوجه فاتن، مُقدمةً لنا ـ بسخاء نادرـ كل أنواع الملاهي ووسائل الترفيه البراقة. هذا "الْمُنوِّم المغناطيسي" الجديد يقتحم أذهاننا ويزرع فيها أفكارًا غريبة عنا، ولم تعد أمريكا تسعى لإخضاعنا بالقوة ولكن بسحرنا، ولا بإصدار الأوامر ولكن برضانا الخالص، ولا بتهديدنا بالعقول ولكن بالرهان على شغفنا بالشهوات.


مساحات ثقافية |تراث وحضارة | لغة وأدب |فنون تشكيلية | سينما ومسرح |ميديا | أوتار وأنغام |مساهمات الزائرين|دردشة


(1) هذا المقال للأستاذ إنياسيو راموني ( Ignacio Ramonet ) مدير جريدة " العالم الديبلوماسي " ( Le Monde Diplomatique ). وقد نشر في عدد مايو 2000 من هذه الجريدة تحت عنوان : L'Ame‘rique dans les tetes. Un dَelicieux despotism

ثقافة وفن

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع